ابن أبي الحديد

78

شرح نهج البلاغة

أما بعد ، فقد وجهت إليكم عبدا من عباد الله لا ينام في الخوف ، ولا ينكل من الأعداء حذار الدوائر ، أشد على الكافرين من حريق النار ، وهو مالك بن الحارث الأشتر أخو مذحج ، فاسمعوا له وأطيعوا ، فإنه سيف من سيوف الله ، لا نابي الضريبة ، ولا كليل الحد ، فإن أمركم أن تقيموا فأقيموا ، وإن أمركم أن تنفروا فانفروا ، وإن أمركم أن تحجموا فاحجموا فإنه لا يقدم ولا يحجم إلا بأمري ، وقد آثرتكم به على نفسي ، لنصيحته وشدة شكيمته على عدوه ، عصمكم الله بالحق ، وثبتكم بالتقوى ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته . * * * قال إبراهيم : وحدثنا محمد بن عبد الله ، عن المدائني ، عن رجاله ، أن محمد بن أبي بكر لما بلغه أن عليا قد وجه الأشتر إلى مصر ، شق عليه ، فكتب عليه السلام إليه عند مهلك الأشتر : أما بعد ، فقد بلغني موجدتك من تسريح الأشتر إلى عملك ، ولم أفعل ذلك استبطاء لك عن الجهاد ، ولا استزادة لك منى في الجد ، ولو نزعت ما حوت يداك من سلطانك لوليتك ما هو أيسر مؤنة عليك ، وأعجب ولاية إليك ، إلا أن الرجل الذي وليته مصر ، كان رجلا لنا مناصحا ، وهو على عدونا شديد ، فرحمة الله عليه ، فقد استكمل أيامه ، ولاقى حمامه ، ونحن عنه راضون ، فرضى الله عنه ، وضاعف له الثواب ، وأحسن له المآب . فأصحر ( 1 ) لعدوك وشمر للحرب ، وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة ، وأكثر ذكر الله والاستعانة به ، والخوف منه ، يكفك ما همك ، ويعنك على ما ولاك . أعاننا الله وإياك على ما لا ينال إلا برحمته . والسلام . قال : فكتب محمد بن أبي بكر إليه جوابه :

--> ( 1 ) أصحر لعدوك ، أي أبرز له في العراء